فخر الدين الرازي
179
المحصول
الوجه الثاني في بيان أن المناسبة تفيد ظن العلية أن نسلم أن أفعال الله وأحكامه يمتنع أن تكون معللة بالدواعي والأغراض ومع هذا فندعى الذي أن المناسبة تفيد ظن العلية وبيانه أن مذهب المسلمين أن دوران الأفلاك وطلوع الكواكب وغروبها وبقائها على أشكالها وأنوارها غير واجب ولكن الله تعالى لما أجرى عادته بإبقائها على حالة واحدة لا جرم يحصل ظن أنها تبقى غدا وبعد غد على هذه الصفات وكذلك نزول المطر عند الغيم الرطب وحصول الشبع عقيب الأكل والري عقيب الشرب والاحتراق لأن عند مماسة النار غير واجب لكن العادة لما اطردت بذلك لا جرم حصل ظن يقارب اليقين باستمرارها على مناهجها والحاصل أن تكرير الشئ مرارا كثيرة يقتضى ظن أنه متى حصل لا يحصل إلا على ذلك الوجه إذا ثبت هذا فنقول إنا لما تأملنا الشرائع وجدنا الأحكام والمصالح متقارنين لا ينفك أحدهما عن الآخر وذلك معلوم بعد استقرار أوضاع الشرائع وإذا كان كذلك كان العلم بحصول هذا مقتضيا ظن حصول الآخر وبالعكس من غير أن يكون أحدهما مؤثرا في الآخر وداعيا إليه فثبت أن المناسبة دليل العلية مع القطع بأن أحكام الله تعالى لا تعلل بالأغراض